محمد متولي الشعراوي

6270

تفسير الشعراوى

ولكن قدرة الحق الأعلى سبحانه هي قدرة خير الحاكمين ، لأنه هو سبحانه الذي يشهد ، وهو سبحانه لا يحتاج إلى من يدلّس عليه في الشهادة ؛ لأنك إن عمّيت على قضاء الأرض ، فلن تعمّى على قضاء السماء « 1 » . وبعد ذلك يحكم الحق سبحانه حكما لا هوى فيه ؛ لأن آفة الأحكام أن يدخلها الهوى فتميل ، والحق سبحانه لا هوى له ؛ لأنه لا مصلحة له عند العباد ، فهو الخالق عز وجل ، ولن يأخذ مصلحة من مخلوق « 2 » . ويطمئننا الحق سبحانه على أن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا لا ينطق عن الهوى . فيقول رب العزة سبحانه : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى « 3 » ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) [ النجم ]

--> ( 1 ) عن أم سلمة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أنه سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : إنما أنا بشر ، وإنه يأتيني الخصم ، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها » أخرجه البخاري في صحيحه ( 2458 ) ومسلم ( 1713 ) . ( 2 ) يقول سبحانه : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ . . ( 37 ) [ الحج ] . فالله تعالى هو الغنى عما سواه ، وقد كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا الهدايا والضحايا لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها . فبيّن عز وجل أن ما يناله اللّه منهم هو التقوى وإخلاص القلب لله . ( تفسير ابن كثير 3 / 224 بتصرف ) . ( 3 ) الهوى : هوى النفس ، وإرادتها ومحبتها الشئ ، قال تعالى : . . وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) [ النازعات ] أي : منعها عن المعاصي والشهوات ، وإذا تكلم بالهوى مطلقا لم يكن إلا مذموما حتى ينعت بما يخرجه عن معناه كقولهم : هوى حسن ، أو هوى موافق للصواب . أما المراد به في الآية فهو الهوى المذموم . قال تعالى : . . فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ( 135 ) [ النساء ] . وقال تعالى : فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ( 26 ) [ ص ] . وقال تعالى : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ . . ( 43 ) [ الفرقان ] وقال تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ . . ( 50 ) [ القصص ] . وقال تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ . . ( 77 ) [ المائدة ] . وقال تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ . . ( 119 ) [ الأنعام ] . [ لسان العرب : مادة ( ه وى ) - بتصرف ] .